لماذا تحتاج المؤسسات الناجحة إلى ثقافة التصعيد؟

في كل مؤسسة تمر بمرحلة تحول أو نمو، تظهر تحديات وأخطاء في العمليات والقرارات والتنفيذ. وهذا ليس مؤشراً على فشل المؤسسة، بل نتيجة طبيعية لأي بيئة عمل تتغير بسرعة أو تبني أنظمة جديدة. السؤال الحقيقي ليس: هل ستقع الأخطاء؟ بل: كيف ستتعامل المؤسسة معها؟

للأسف، تقع العديد من المؤسسات في فخ ثقافة الصمت. فبدلاً من التعامل مع المشكلات بموضوعية، تبدأ المبررات بالظهور: "ليس الوقت مناسباً لإثارة الموضوع"، "فلنحافظ على تماسك الفريق"، "الجميع يعمل تحت ضغط كبير"، أو "لا نريد إحراج أحد".

قد تبدو هذه العبارات منطقية للوهلة الأولى، لكنها مع مرور الوقت تخلق بيئة تتراكم فيها الأخطاء دون معالجة، حتى تتحول من ملاحظات تشغيلية بسيطة إلى أزمات تؤثر في الأداء والسمعة وثقة أصحاب المصلحة.

ما هو التصعيد الإداري؟

التصعيد الإداري  هو عملية نقل المشكلة أو القرار إلى مستوى إداري أعلى عندما يتعذر حلها في المستوى الحالي، سواء بسبب محدودية الصلاحيات، أو تعقيد المشكلة، أو عدم التوصل إلى معالجة مناسبة.

 ويُعد التصعيد أحد الممارسات الأساسية في إدارة المشاريع والحوكمة، إذ يضمن وصول القضايا إلى الجهة التي تمتلك الصلاحية والقدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

الفرق بين النقد والتصعيد

هناك خلط شائع بين التصعيد الإداري وبين النقد أو الشكوى. بينما في الواقع، يعد التصعيد أحد الأدوات الأساسية في الإدارة الحديثة، ويهدف إلى ضمان وصول المشكلات إلى المستوى الذي يملك الصلاحية والقدرة على حلها.

في إدارة المشاريع وإدارة المخاطر، لا يُنظر إلى التصعيد على أنه تحدٍ للسلطة، وإنما كآلية لحماية المشروع من التأخير، وتقليل المخاطر، وضمان استمرارية العمل.

المشكلة ليست في وجود الأخطاء، وإنما في بقاء الأخطاء دون معالجة.

الفرق بين النقد والتصعيد

كيف تُدار المشكلات داخل المؤسسات؟

تعتمد المؤسسات الناضجة على مسار واضح لمعالجة المشكلات، بحيث تُمنح كل قضية فرصة للحل في المستوى المناسب قبل الانتقال إلى مستوى أعلى. ويكون التسلسل عادةً على النحو الآتي:

  1. تحديد المشكلة بدقة: التأكد من أن المشكلة مبنية على حقائق وبيانات، وليست على انطباعات أو اجتهادات شخصية.
  2. مناقشة الموضوع مع الشخص المعني مباشرة: طرح الملاحظة بأسلوب مهني وموضوعي، مع التركيز على المشكلة وأثرها، وليس على الأشخاص.
  3. منح فرصة كافية للمعالجة: إتاحة الوقت المناسب لاتخاذ الإجراءات التصحيحية إذا كان الحل ضمن صلاحيات الشخص المعني.
  4. التصعيد الإداري عند ظهور مشكلة لا يمكن معالجتها من المستوى الأول، يكون التصعيد وفق التسلسل التالي:
  • إذا لم تُحل المشكلة، تُرفع إلى المسؤول المباشر للشخص المعني.
  • عند استمرار المشكلة، يتم التصعيد تدريجياً عبر التسلسل الإداري إلى المستويات الأعلى، وفق الصلاحيات المعتمدة.
  • إذا استُنفدت جميع القنوات الداخلية دون معالجة، وكانت المشكلة ذات أثر كبير على المؤسسة أو المصلحة العامة، فيتم اللجوء إلى الجهات الرقابية وتسليط الضوء على هذه المشكلة من خلال الوسائل الاعلامية

يضمن هذا التسلسل معالجة المشكلات في المستوى الأقرب إلى الحل أولاً، مع الحفاظ على الحوكمة، وتوضيح المسؤوليات، وضمان وصول القضايا إلى الجهة القادرة على اتخاذ القرار المناسب.

التصعيد الخارجي: متى يكون مبرراً؟

قد تلجأ بعض الجهات أو الأفراد إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي فور ظهور مشكلة، متجاوزين قنوات المعالجة الداخلية والتسلسل الإداري. ورغم أن هذا المسار قد يلفت الانتباه إلى القضية بسرعة، إلا أنه قد يحرم المؤسسة من فرصة معالجتها ضمن الأطر النظامية، ويؤدي إلى تضخيم المشكلة قبل استكمال التحقق من جميع جوانبها.

في المقابل، تقوم الحوكمة الرشيدة على مبدأ واضح: تُمنح المؤسسة أولاً فرصة لمعالجة المشكلة عبر قنواتها الداخلية، مع الالتزام بمسار التصعيد الإداري، ثم يُنظر في التصعيد الخارجي إذا استُنفدت تلك القنوات دون نتيجة، أو عندما تكون القضية ذات أثر على المصلحة العامة أو تنطوي على مخالفة جسيمة تستوجب تدخل الجهات الرقابية أو اطلاع الرأي العام.

بهذا المعنى، لا يُعد الإعلام بديلاً عن الإدارة، بل يمثل إحدى أدوات المساءلة التي تُستخدم عند تعذر الوصول إلى حل من خلال الآليات المؤسسية.

 

ثقافة الصمت أكثر تكلفة من الخطأ

الأخطاء يمكن تصحيحها، أما تجاهلها فيجعل تكلفة معالجتها تتضاعف مع الوقت.

فكل مشكلة يتم تجاهلها اليوم قد تتحول غداً إلى خسارة مالية، أو انخفاض في جودة الخدمات، أو تراجع في ثقة العملاء، أو استنزاف للموارد البشرية، أو حتى أزمة مؤسسية يصعب احتواؤها.

ولهذا، فإن المؤسسات الأكثر نجاحاً ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي تمتلك ثقافة تشجع على اكتشاف الخطأ مبكراً، والتعامل معه بشفافية، والتعلم منه.

دور القيادة في تصحيح الأخطاء

تقع على عاتق القيادات مسؤولية بناء بيئة يشعر فيها الموظفون بالأمان عند طرح الملاحظات والإبلاغ عن المشكلات. فالثقافة التي تعاقب من يتحدث عن الخطأ ستدفع الجميع إلى الصمت، بينما الثقافة التي تكافئ الشفافية ستنتج مؤسسة أكثر مرونة وقدرة على التعلم.

كما تقع على الموظفين مسؤولية ممارسة النقد المهني المسؤول؛ نقد يهدف إلى تحسين الأداء، لا إلى تصفية الحسابات أو البحث عن الأخطاء.

الخلاصة

المؤسسات لا تنهار بسبب الأخطاء الفردية، وإنما بسبب تراكم الأخطاء التي لم يجد أحد الشجاعة أو النظام المناسب لمعالجتها.

إن بناء ثقافة مؤسسية تقوم على الحوار، والتغذية الراجعة، والتصعيد المنهجي، والمساءلة، هو أحد أهم عوامل الاستدامة والتميز المؤسسي. فالتصعيد ليس تهديداً، بل وسيلة لحماية المؤسسة من القرارات الخاطئة، وضمان استمرارها في تحقيق أهدافها بكفاءة وثقة.