الاستماع الاجتماعي في الجهات الحكومية - كيف يتحول صوت المواطن إلى أداة للإصلاح؟

لا تبدأ كل فرص الإصلاح الحكومي من تقرير رسمي أو دراسة طويلة. أحياناً تبدأ من مشكلة صغيرة تتكرر بين المستفيدين: إجراء غير واضح، خدمة إلكترونية معقدة، قرار لم يُشرح جيداً، أو شكوى تظهر بصيغ مختلفة في أكثر من مكان.

المشكلة أن هذه الإشارات قد تبقى متناثرة بين منصات التواصل، ومراكز الاتصال، وأنظمة الشكاوى وتعليقات المستخدمين، فلا تظهر في صورة واحدة أمام صانع القرار.

هنا يمكن أن يلعب الاستماع الاجتماعي في الجهات الحكومية (Social Listening) دوراً مهماً؛ ليس كأداة لمراقبة ما يقوله الناس، بل كوسيلة لفهم ما تكشفه أصواتهم عن الخدمات والسياسات والمشروعات، ثم التحقق من هذه الإشارات وتحويل ما يستحق منها إلى تحسين فعلي.

وهذه هي الزاوية الأهم: الاستماع بحد ذاته لا يحقق الإصلاح، لكنه قد يكشف أين يجب أن يبدأ.

ما المقصود بالاستماع الاجتماعي في العمل الحكومي؟

الاستماع الاجتماعي هو عملية منظمة لرصد وتحليل النقاشات والملاحظات العامة لفهم القضايا والأسئلة والمخاوف والأنماط التي تتكرر حول خدمة أو مشروع أو قرار.

في القطاع الخاص يُستخدم المفهوم كثيراً لفهم العملاء والعلامات التجارية. أما في العمل الحكومي، فالسياق أوسع؛ لأن الجهة تتعامل مع مواطنين ومستفيدين وشركات وموظفين ومجتمعات محلية وأصحاب مصلحة لديهم احتياجات وتأثيرات مختلفة.

لذلك لا يكون السؤال:"ماذا يقول الناس عن الجهة" بل: هل يكشف ما يقولونه مشكلة في خدمة أو إجراء أو سياسة تستحق أن نفهمها بصورة أفضل؟

وهذا الفرق ينقل Social Listening من نشاط اتصالي إلى أحد مصادر المعلومات التي يمكن أن تدعم تحسين العمل الحكومي.

لماذا يحتاج الإصلاح الحكومي إلى الاستماع؟

أحد تحديات الإصلاح أن المؤسسة قد ترى الخدمة بطريقة مختلفة تماماً عن الطريقة التي يعيشها المستفيد.

الإجراء قد يبدو واضحاً من داخل الجهة، بينما يجد المواطن أنه يتطلب خطوات غير مفهومة. والخدمة الرقمية قد تعمل تقنياً، لكن المستخدمين يتعثرون باستمرار في مرحلة محددة. وقد يكون القرار صحيحاً من حيث المبدأ، لكن سوء شرحه يخلق مقاومة كان يمكن تجنبها.

لهذا فإن وجود قنوات تسمح بفهم تجربة الجمهور يساعد الحكومة على رؤية الفجوة بين كيف صُممت الخدمة وكيف تُستخدم فعلياً.

منظمة OECD تضع الاستماع وفهم تصورات الجمهور ضمن الأدوات التي يمكن أن تساعد الحكومات على فهم قبول الإصلاحات وتصميمها والتواصل بشأنها بصورة أفضل، وليس باعتباره بديلاً عن الدراسات أو البيانات الرسمية، بل مكمّلاً لها.

ماذا يمكن أن يكشف الاستماع الاجتماعي للجهة الحكومية؟

القيمة ليست في عدد المنشورات أو التعليقات التي تم جمعها، وإنما في الأنماط التي يمكن اكتشافها خلفها.

قد يكشف الاستماع مثلاً أن الشكاوى من خدمة إلكترونية ليست اعتراضاً على الخدمة نفسها، وإنما على خطوة واحدة في التسجيل. وقد يظهر أن الاعتراض على مشروع حكومي سببه نقص المعلومات حول آثاره، أو أن سؤالاً يتكرر باستمرار لأن التعليمات الرسمية لم تكن واضحة بما يكفي.

وفي حالات أخرى قد تظهر إشارات مبكرة إلى مشكلة لم تصل بعد بكثافة إلى نظام الشكاوى الرسمي.

وهنا تصبح ملاحظات الجمهور إشارة تستحق الفحص، وليس قراراً جاهزاً.

وهذا distinction مهم؛ لأن أكثر الأخطاء خطورة هو اعتبار الرأي المتداول على المنصات ممثلاً تلقائياً لجميع المواطنين.

من الاستماع إلى الإصلاح: كيف تتحول الملاحظة إلى قرار؟

لكي يصبح الاستماع الاجتماعي أداة مفيدة للإصلاح، يجب أن يرتبط بمسار واضح داخل الجهة.

يمكن تبسيط هذا المسار على النحو التالي:

  1. نرصد الإشارات المتكررة حول خدمة أو مشروع أو سياسة محددة.
  2. نصنفها ونحللها لمعرفة المشكلة أو السؤال المشترك خلف التعليقات المختلفة.
  3. نتحقق منها باستخدام مصادر أخرى، مثل بيانات الخدمة ومراكز الاتصال والشكاوى والاستبيانات والمقابلات.
  4. نحدد الجهة المسؤولة عن المعالجة؛ فقد تكون المشكلة تقنية أو إجرائية أو اتصالية أو مرتبطة بتصميم السياسة نفسها.
  5. ننفذ التحسين ونقيس أثره لمعرفة ما إذا كانت المشكلة قد انخفضت بعد التدخل.

بهذه الطريقة ننتقل من: «الناس تشتكي» إلى: «هناك مشكلة محددة، ظهرت في أكثر من مصدر، وتم التحقق منها، وهذا هو الإجراء الذي يمكن اختباره لمعالجتها».

هنا يصبح الاستماع جزءاً من دورة تحسين، وليس مجرد تقرير آخر يصل إلى الإدارة.

مثال: عندما تكشف التعليقات خللاً في خدمة حكومية

لنفترض أن جهة أطلقت خدمة إلكترونية جديدة، وبعد فترة بدأت تظهر شكاوى عن صعوبة استخدامها.

لو اكتفت الجهة بعدد التعليقات السلبية، فلن تعرف كثيراً.

لكن بعد تحليل الملاحظات قد يتبين أن جزءاً كبيراً منها يتعلق برفع وثيقة في مرحلة محددة. وعند مراجعة اتصالات الدعم الفني، يظهر السؤال نفسه بصورة متكررة.

هنا أصبح لدينا أكثر من مصدر يشير إلى المشكلة ذاتها.

قد يكون الحل تبسيط التعليمات، أو تعديل واجهة الخدمة، أو تغيير متطلبات رفع الملف. وبعد التطبيق يمكن مقارنة عدد المشكلات قبل التغيير وبعده.

هذا مثال بسيط على الفرق بين سماع الشكوى وبين استخدامها مدخلاً لتحسين الخدمة.

الاستماع الاجتماعي ودعم الإصلاحات والسياسات العامة

تزداد أهمية الاستماع عندما لا يكون الموضوع مجرد خدمة، بل إصلاحاً أو سياسة تؤثر في شريحة واسعة من المجتمع.

الإصلاحات الحكومية عادةً لا تتأثر فقط بجودة الحل الفني، بل أيضاً بمدى فهم الناس له وثقتهم به وطريقة تأثر الفئات المختلفة بنتائجه.

لهذا درست OECD إمكانية استخدام Social Listening لفهم استجابة الجمهور للإصلاحات، بما في ذلك تحليل النقاش العام حول إصلاح نظام التقاعد الفرنسي في 2023. والهدف لم يكن قياس «الإعجاب» بالإصلاح، وإنما فهم أي جوانب منه تلقى قبولاً، وأين تظهر الاعتراضات أو الفجوات في الخطاب المرافق له.

وهذه نقطة مهمة في العمل الحكومي: أحياناً لا يحتاج القرار إلى حملة تواصل أقوى، وإنما إلى فهم أفضل لسبب الاعتراض أصلاً.

الاستماع جزء من فهم أصحاب المصلحة

من منظور إدارة المشاريع، يمكن النظر إلى الاستماع الاجتماعي باعتباره مصدراً إضافياً لفهم أصحاب المصلحة.

في مشروع نقل مثلاً، قد تختلف نظرة المستخدم اليومي للطريق عن صاحب النشاط التجاري القريب أو سكان المنطقة أو الفريق المنفذ.

ومتابعة النقاشات حول المشروع قد تكشف مبكراً سوء فهم أو مخاوف أو آثاراً لم تكن ظاهرة بصورة كافية في مرحلة التخطيط.

لكن هذه الإشارات يجب أن تدخل إلى منهجية إدارة المشروع بالطريقة الصحيحة: يتم تقييمها والتحقق منها، ثم ربطها عند الحاجة بإدارة المخاطر أو أصحاب المصلحة أو الاتصال أو التغيير.

فليس كل اعتراض خطراً، وليس كل طلب متطلباً جديداً، وليس كل نقاش متداول سبباً لتغيير المشروع.

هل يمكن الاعتماد على ما يقوله الناس على وسائل التواصل؟

لا. وهذه من أهم الحدود التي يجب أن تكون واضحة عند استخدام الاستماع الاجتماعي في الحكومة.

الأشخاص الذين يكتبون على المنصات الرقمية لا يمثلون المجتمع كاملاً، وبعض الفئات أكثر حضوراً من غيرها. كما أن تحليل اللغة العربية واللهجات والسخرية قد يخلق أخطاء عند الاعتماد على تحليل المشاعر الآلي.

لهذا يجب الجمع بين الاستماع الاجتماعي وبين مصادر مثل بيانات استخدام الخدمة والاستبيانات والمقابلات والشكاوى الرسمية ومراكز الاتصال.

كما يجب أن تكون الخصوصية وحماية البيانات جزءاً من تصميم العملية منذ البداية.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية في إرشاداتها حول Social Listening أهمية الاستخدام الأخلاقي وحماية الحقوق عند تحليل النقاشات العامة، خصوصاً عندما تستخدم هذه الممارسات من قبل الجهات والمؤسسات العامة.

فالهدف هو فهم القضية وليس مراقبة الأشخاص.

من يستمع داخل الحكومة؟

ربما يكون هذا السؤال أهم من اختيار الأداة التقنية.

وجود Dashboard متطورة لا يعني أن المؤسسة أصبحت تستمع.

يجب أن يكون واضحاً من المسؤول عن تحليل الإشارات، ومن يستلم النتائج، وكيف تصل المشكلة إلى الجهة التي تستطيع حلها.

إذا كانت المشكلة تقنية يجب أن تصل إلى فريق الخدمة. وإذا كانت في فهم قرار معين، فقد تحتاج إلى فريق الاتصال. وإذا كشفت خطراً مرتبطاً بمشروع، يجب أن تدخل في عملية إدارة المخاطر.

ولهذا يمكن أن تتحول ممارسة الاستماع مع الوقت من نشاط داخل فريق التواصل إلى قدرة مؤسسية مشتركة تربط الاتصال وتصميم الخدمات والبيانات وإدارة المشاريع وصنع السياسات.

وقد أوصت OECD، في مراجعتها لصوت المواطنين في الأردن، بتعزيز استخدام Audience Insights داخل الوزارات، وبحث إنشاء مركز على مستوى الحكومة يجمع هذه الرؤى ويوزعها عبر الإدارة العامة.

وهذا يوضح أن القضية ليست شراء برنامج، بل بناء آلية تجعل صوت المستفيد قادراً على الوصول إلى عملية اتخاذ القرار.

كيف تبدأ الجهة الحكومية؟

لا تبدأ بالسؤال: ما أفضل منصة Social Listening؟ بل ابدأ بالسؤال: ما المشكلة أو القرار الذي نحتاج إلى فهم أفضل للجمهور حوله؟

اختيار خدمة واحدة أو مشروع واحد كنقطة بداية يجعل التجربة أكثر وضوحاً. بعدها يمكن تحديد مصادر المعلومات، وتصنيفات الملاحظات، وطريقة التحقق، والمسؤول عن كل نوع من النتائج.

بعد بناء هذه العملية يصبح اختيار الأداة التقنية أسهل؛ لأننا نعرف عندها ما الذي نحتاج منها فعلياً.

فالتقنية تستطيع جمع آلاف الإشارات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحدد أي إشارة تستحق أن تتحول إلى إصلاح.

الخلاصة: الإصلاح يبدأ أحياناً من إشارة صغيرة

الجهات الحكومية تمتلك اليوم كميات كبيرة من البيانات الرسمية، لكنها تعمل في الوقت نفسه داخل مجتمع يتحدث باستمرار عن خدماتها وقراراتها ومشاريعه.

الاستماع الاجتماعي لا يجعل هذا النقاش بديلاً عن البحث أو البيانات الرسمية، لكنه يضيف مصدراً يمكن أن يكشف مشكلة مبكراً أو يساعد على فهم تجربة المستفيد بصورة أقرب إلى الواقع.

وتظهر قيمته الحقيقية عندما توجد داخل المؤسسة قدرة على الانتقال من الاستماع إلى التحقق ثم إلى التحسين والقياس.

عندها يصبح صوت المواطن أكثر من تعليق عابر، ويصبح أحد المدخلات التي يمكن أن تدعم حكومة أكثر استجابة، وخدمات أفضل، وإصلاحات أقرب إلى الواقع.

إذا كنت تعمل على مشروع أو خدمة حكومية وتبحث عن منهجية أفضل لفهم أصحاب المصلحة وتحويل ملاحظاتهم إلى مدخلات عملية تدعم التحسين واتخاذ القرار، يمكنك التواصل مع أ. سامي السيوري.

 

أسئلة شائعة

 

ما هو الاستماع الاجتماعي في الجهات الحكومية؟

هو رصد وتحليل النقاشات والملاحظات العامة لفهم المشكلات والأسئلة والاتجاهات المرتبطة بخدمة أو مشروع أو سياسة، ثم استخدام النتائج كمصدر داعم للتحسين واتخاذ القرار.

 

كيف يساعد الاستماع الاجتماعي في تحسين الخدمات الحكومية؟

يساعد على اكتشاف المشكلات المتكررة في تجربة المستفيد والتحقق منها باستخدام مصادر أخرى، ثم توجيهها إلى الفريق المسؤول عن تحسين الخدمة.

 

هل يمكن اعتبار تعليقات وسائل التواصل ممثلة لرأي المواطنين؟

لا، فهي تمثل شريحة من الجمهور فقط، ولذلك يجب دمجها مع الاستبيانات والشكاوى وبيانات الخدمات والمقابلات وغيرها من المصادر.

 

ما علاقة الاستماع الاجتماعي بالإصلاح الحكومي؟

يمكن أن يكشف ردود الجمهور على الإصلاحات والخدمات والسياسات، ويساعد الجهات على فهم مواطن المقاومة أو سوء الفهم أو المشكلات التي تحتاج إلى معالجة.

 

هل تحتاج الجهات الحكومية إلى أدوات متخصصة للاستماع الاجتماعي؟

يمكن للأدوات أن تساعد في جمع وتحليل البيانات، لكن الأهم أولاً هو تحديد الهدف والقرار الذي ستدعم هذه البيانات اتخاذه، ووضع آلية واضحة للتحقق من النتائج وتحويلها إلى إجراء.

مقالات ذات صلة